محمد حسين هيكل
319
حياة محمد ( ص )
الخطاب وبيد أبي عبيدة بن الجرّاح وهو جالس بينهما . هنالك كثر اللغط وارتفعت الأصوات وخيف الاختلاف ؛ فنادى عمر بصوته الجهوريّ : أبسط يدك يا أبا بكر . فبسط أبو بكر يده فبايعه وهو يقول : « ألم يأمرك النبي بأن تصلي أنت يا أبا بكر بالمسلمين ! فأنت خليفته ؛ ونحن نبايعك فنبايع خير من أحبّ رسول اللّه منا جميعا » . ومست هذه الكلمات قلوب الحاضرين من المسلمين أن كانت معبّرة حقّا عما ظهر من إرادة النبي حتى هذا اليوم الأخير الذي رآه الناس فيه ؛ فقضى ذلك على ما بينهم من خلاف ، وأقبلوا فبايع المهاجرون ثم بايع الأنصار . وإذ كان الغد من ذلك اليوم ، جلس أبو بكر على المنبر ، وتقدّم ابن الخطاب فتكلّم قبل أبي بكر فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال : « إنّي قد قلت لكم بالأمس مقالة ما كانت مما وجدتها في كتاب اللّه ولا كانت عهدا عهده إليّ رسول اللّه ، ولكني قد كنت أرى أن رسول اللّه سيدبّر أمرنا ويبقى ليكون آخرنا . وإن اللّه قد أبقى فيكم كتابه الذي به هدى رسوله . فإن اعتصمتم به هداكم اللّه لما كان هداه له . وإن اللّه قد جمع أمركم على خيركم صاحب رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلّم - وثاني اثنين إذ هما في الغار ، فقوموا فبايعوه » . فبايع الناس أبا بكر البيعة العامّة بعد بيعة السقيفة . خطاب أول الخلفاء الراشدين وقام أبو بكر بعد أن تمّت البيعة فألقى في الناس هذا الخطاب الذي يعتبر آية من آيات الحكمة وفصل الخطاب . قال رضي اللّه عنه بعد أن حمد اللّه وأثنى عليه : « أما بعد ، أيها الناس ، قد وليت عليكم ولست بخيركم . فإن أحسنت فأعينوني ، وإن أسأت فقوّموني . الصدق أمانة ، والكذب خيانة . والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء اللّه . والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء اللّه . لا يدع قوم الجهاد في سبيل اللّه إلا ضربهم اللّه بالذلّ ، ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم اللّه بالبلاء أطيعوني ما أطعت اللّه ورسوله . فإن عصيت اللّه ورسوله فلا طاعة لي عليكم . قوموا إلى صلاتكم يرحمكم اللّه » . أين يدفن جثمان الرسول ؟ وبينما المسلمون يختلفون ثم يتفقون على بيعة أبي بكر بيعة السقيفة ثم البيعة العامّة ، كان جثمان النبي حيث كان على سرير موته يحيط به الأقربون من أهله . فلما تمّت البيعة لأبي بكر أقبل الناس على جهاز رسول اللّه كي يدفنوه . وقد اختلفوا فيما بينهم أين يدفن . قال جماعة من المهاجرين : يدفن في مكة مسقط رأسه وبين أهله . وقال غيرهم : بل يدفن في بيت المقدس حيث دفن الأنبياء قبله . وما أدري كيف قال أصحاب هذا الرأي ، وبيت المقدس كان ما يزال بأيدي الروم ، وكان بين الروم والمسلمين عداوة منذ مؤتة وتبوك حتى جهز رسول اللّه جيش أسامة للثأر . ولم يرض المسلمون هذا الرأي ولا هم رضوا أن يدفن النبيّ بمكة ، ورأوا أن يدفن بالمدينة التي آوته ونصرته والتي استظلت قبل غيرها بلواء الإسلام . وتحدثوا أين يدفن ؟ قال فريق منهم : يدفن بالمسجد حيث كان يخطب الناس ويعظهم ويصلي بهم ؛ ورأى هؤلاء أن يدفن حيث يقوم المنبر أو إلى جانبه . لكن هذا الرأي لم يلبث أن رفض ؛ لما روي عن عائشة أن النبيّ كان عليه رداء أسود حين أشد به وجعه ، فكان يضعه مرّة على وجهه ويكشفه عنه مرة وهو يقول : قاتل اللّه قوما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ! ثم قضى أبو بكر بين الناس إذ قال : إني سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم يقول ما قبض نبيّ إلا دفن حيث يقبض . ثم تقرر أن يحفر له مكان الفراش الذي قبض فوقه .